Follow us

image

لبنان يعود إلى المنطقة الرمادية: حين تصبح “الساحة” أقوى من الدولة! -بقلم: بيار مارون

جبلنا ماغازين – نيويورك

كتب المحلل الاستراتيجي بيار مارون:

في السبعينيات، لم يكن اللبنانيون يدركون أنهم يسيرون نحو حرب أهلية مدمّرة. كانوا يعرفون فقط أن القرار لم يعد بالكامل في أيديهم. واليوم، يصعب على أي مراقب هادئ ألا يرى ظلال 13 نيسان 1975 - لا في الوجوه ولا في الأسماء، بل في المعادلة نفسها: ساحة أقوى من دولة. ليست المسألة تشبيهاً صحافياً ولا استحضاراً عاطفياً للماضي، بل سؤالاً وجودياً يفرض نفسه بإلحاح: هل عاد لبنان إلى التعامل مع نفسه كساحة مفتوحة لصراعات الخارج، فيما تتراجع الدولة ويتآكل قرارها السيادي؟

منذ أواخر الستينيات، بدأ لبنان ينزلق تدريجياً نحو معادلة سامة: أولوية الصراع الإقليمي على السيادة الداخلية. اتفاق القاهرة عام 1969 شرعن وجوداً مسلحاً خارج إطار الدولة، وأنتج ازدواجية قاتلة بين سلطة شرعية وسلطة أمر واقع. واليوم يعود المنطق نفسه باسم «وحدة الساحات» — ربط قرار الحرب والسلم بحسابات محور إقليمي، وإخراج هذا القرار من المؤسسات الدستورية. تغيّرت الشعارات، لكن البنية التي تتيح تجاوز الدولة بقيت على حالها.

ومع ذلك، ثمة فارق جوهري لا يمكن تجاهله: الفدائيون الفلسطينيون كانوا لاعباً وافداً من خارج الجغرافيا اللبنانية، فيما حزب الله نشأ من داخل المجتمع اللبناني نفسه، ويمثّل شريحة اجتماعية واسعة لها جذورها التاريخية والسياسية. هذا الفارق لا يلغي إشكالية السلاح خارج الدولة، لكنه يجعل المعالجة أعقد بكثير. فالمعضلة اللبنانية اليوم ليست مجرد قوة وافدة تفرض نفسها، بل انقسام داخلي عميق حول معنى الدولة: هل تكون دولة مواطنة تحتكر القرار والسيادة، أم ساحة تتوزعها الولاءات والمحاور؟

تبدّل اللاعبون، لكن المعادلة بقيت قاسية. في السبعينيات رُبط لبنان بالعمل الفدائي الفلسطيني والصراع العربي–الإسرائيلي، فتراجع الهم الوطني أمام الهم القومي. أما اليوم، فالساحة اللبنانية مربوطة بحسابات محور إقليمي يتجاوز الحدود. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: الدولة لم تعد صاحبة القرار الحصري، واللبنانيون يدفعون ثمن رسائل لا يكتبونها وحروب لا يقررونها. فالساحة لا تُفرض من الخارج فقط، بل تُفتح من الداخل أيضاً حين تتنازل القوى السياسية عن دور الدولة.

حتى المرجعيات الدينية لم تكن بعيدة عن هذا المسار. ففي بدايات الحرب، تكيّفت مواقف دينية عديدة مع واقع السلاح الفلسطيني، قبل أن ينحاز المفتي حسن خالد لاحقاً إلى منطق الدولة والمصالحة الوطنية، ويدفع حياته ثمناً لذلك عام 1989. أما اليوم، فيخرج المفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان ليصف قرارات الدولة السيادية بـ«التهور»، ويدافع عن بقاء سفير إقليمي في مواجهة قرار رسمي. هكذا يُعاد إنتاج النمط القديم: مرجعيات تمنح غطاءً لميزان قوى يتقدّم على حساب السيادة الوطنية. وبين مسار حسن خالد وموقف أحمد قبلان الراهن، تتجلى مأساة لبنان: صراع بين من يرى في الدولة الملاذ الأخير، ومن يتعامل معها كتفصيل داخل مشروع عابر للحدود.

وهنا تتجلى «اللعنة اللبنانية» بأوضح صورها: كل محاولة جدّية لنقل لبنان من منطق الساحة إلى منطق الدولة اصطدمت بعنف هائل. اختفاء الإمام موسى الصدر حرم مشروع الدولة المبكر من صوت كان يدعو إلى مؤسسات قوية وجيش واحد. اغتيال بشير الجميّل ارتبط بمحاولة بناء دولة بسلطة واحدة. اغتيال رفيق الحريري بدا استهدافاً لمشروع أراد إعادة ربط لبنان بالنظام الدولي ككيان ذي قرار. وحسن خالد دفع حياته ثمناً لرفضه تحويل المرجعية الدينية إلى غطاء للفوضى. ما يجمع هؤلاء ليس الطائفة ولا الانتماء السياسي، بل اقترابهم من «الخطيئة الكبرى»: محاولة تحويل لبنان من صندوق بريد إلى وطن سيادي.

وحين أقدمت حكومة نواف سلام في 2 آذار 2026 على حظر النشاط العسكري والأمني للحزب وطالبت بتسليم السلاح وحصرت دوره في العمل السياسي، لم يكن الرد مجرد اعتراض سياسي، بل استدعاءً واضحاً لكوابيس السبعينيات. فالوقوف في وجه هذا القرار يعيد إنتاج الثنائية نفسها التي مهدت لسقوط الدولة: سلطة شرعية من جهة، وقوة تفرض لنفسها حق القرار من جهة أخرى. واليوم تبدو الحكومة وكأنها تسير في حقل ألغام تاريخي.

لكن المعضلة لا تكمن في نصوص القرارات وحدها، بل في المؤسسة التي يُطلب منها التنفيذ. هنا تحضر تجربة عزيز الأحدب كرمز لمحاولة استعادة هيبة الدولة أمام سلطة مشلولة، وشبح أحمد الخطيب كتحذير من خطر تفكك الجيش إلى جزر أمنية متناحرة تحت الضغوط الطائفية والمحورية. وغالباً ما يُستخدم الخوف على «وحدة الجيش» أداة ضغط لمنع تنفيذ القرار السيادي، لا تعبيراً صادقاً عن حرص على المؤسسة. والدولة التي تخشى استخدام ذراعها الشرعي لفرض قانونها تعترف ضمناً بأن الساحة لا تزال الأقوى.

لم تكن كلفة الحلم بالدولة في لبنان يوماً منخفضة. واليوم تضع حكومة نواف سلام الجميع أمام الامتحان نفسه: إما أن تنتصر الدولة وتستعيد حقها الحصري في القرار والقوة، وإما أن يبقى لبنان ساحة مفتوحة تستنزف أبناءها كلما طالبوا بوطن طبيعي.

لبنان يعرف كيف تنتهي هذه القصة، لأنه عاشها حتى نهايتها مرة من قبل.

والسؤال الآن ليس ما إذا كانت المخاطر موجودة، بل ما إذا كان اللبنانيون سيملكون هذه المرة شجاعة كسر الدائرة قبل أن تكتمل.

*كاتب المقال: 

بيار مارون - محلل استراتيجي